الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
32
شرح ديوان ابن الفارض
( ن ) : كنى بالحج ، عن قصد الحضرة الإلهية والتوجه القلبي إلى التحقق بالوجود الحق الحقيقي المتجلي بالأعيان الكونية بعد الإحرام والتجرد بالفناء الأصلي عن نسبة الوجود للتقادير العدمية ، والحجيج هم العارفون بأنفسهم وبربهم على الكمال ورجوعهم هو عودهم إلى ما كانوا فيه من العادات والعبادات في الفرق الثاني بعد الجمع . وقوله بتنفس الصعداء ، تأسف منه وتحسر على تحصيل تلك المقامات العلية والتملي بهاتيك التجليات الربانية . وذلك في ابتداء مسلوكه في الطريق وظهور بوارق التوفيق . اه . يا ساكني البطحاء هل من عودة أحيا بها يا ساكني البطحاء إن ينقضي صبري فليس بمنقض وجدي القديم بكم ولا برحائي ولئن جفا الوسميّ ماحل تربكم فمدامعي تربي على الأنواء واحسرتي ضاع الزّمان ولم أفز منكم أهيل مودّتي بلقاء ومتى يؤمّل راحة من عمره يومان يوم قلى ويوم تنائي [ الاعراب والمعنى ] « الساكنون » هنا القاطنون . و « البطحاء » والأبطح مسيل واسع فيه دقاق الحصى جمعه أباطح وبطاح وبطائح وتبطح السيل اتسع في البطحاء وقريش البطاح الذين ينزلون بين أخشبي مكة . و « هل » حرف استفهام لطلب التصديق فقط . و « من » زائدة للنص على استغراق إفراد العودة . وقوله « أحيا » يجوز أن يكون بفتح الهمزة على أنه مضارع من حيى كرضى يحيى كيرضى وهي همزة المفرد المتكلم ويجوز كون الهمزة مضمومة على أن المراد أحيا ، أي أصير حيّا على أنه مضارع مجهول من أحياه اللّه تعالى فهو يحيى وأنا أحيا ونائب فاعله ضمير المتكلم . و « بها » متعلق بالفعل . وقوله « يا ساكني البطحاء » ردّ العجز على الصدر وهو من محاسني التكرار لوقوعه في غاية الحلاوة وفي نهاية الطلاوة . « إن » بكسر الهمزة وتخفيف النون حرف شرط . و « ينقضي » فعل الشرط وكان الواجب فيه حذف الياء وكسرة الضاد دليل عليها لكونه معتلا بالياء مجزوما بحذفها لكن أشبعت بالكسرة المذكورة فتولدت منها ياء لأجل الوزن على حدّ قوله تبارك وتعالى : إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ [ يوسف : الآية 90 ] وجملة « فليس بمنقض وجدي القديم بكم ولا برحائي » جواب الشرط في محل جزم . و « ليس » فعل ماض يرفع الاسم وينصب الخبر . و « ليس » وإن كانت في الأصل لنفي الحال إلا أن المراد منها هنا النفي مطلقا لأن المقام يقتضي ذلك وأصله ليس على وزن فرح فكان مقتضى القانون الصرفي أن تقلب ياؤه ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها